ابن كثير
42
البداية والنهاية
وفيها قصد قحطبة في جيش كثيف نائب العراق يزيد بن عمر بن هبيرة . فلما اقترب منه تقهقر ابن هبيرة إلى ورائه ، وما زال يتقهقر إلى أن جاوز الفرات ، وجاء قحطبة فجازها وراءه ، وكان من أمرهما ما سنذكره في السنة الآتية إن شاء الله تعالى . ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائة في المحرم منها جاز قحطبة بن شبيب الفرات ومعه الجنود والفرسان ، وابن هبيرة مخيم على فم الفرات مما يلي الفلوجة ، في خلق كثير وجم غفير ، وقد أمده مروان بجنود كثيرة ( 1 ) ، وانضاف إليه كل من انهزم من جيش ابن ضبارة . ثم إن قحطبة عدل إلى الكوفة ليأخذها ، فاتبعه ابن هبيرة . فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان مضين من المحرم اقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل في الفريقين ، ثم ولى أهل الشام منهزمين واتبعهم أهل خراسان ، وفقد قحطبة من الناس فأخبرهم رجل أنه قتل وأوصى أن يكون أمير الناس من بعده ولده الحسن ، ولم يكن الحسن حاضرا ، فبايعوا حميد بن قحطبة لأخيه الحسن وذهب البريد إلى الحسن ليحضر . وقتل في هذه الليلة جماعة من الأمراء . والذي قتل قحطبة معن بن زائدة ، ويحيى بن حصين . وقيل بل قتله رجل ممن كان معه آخذا بثأر ابني نصر بن سيار فالله أعلم . ووجد قحطبة في القتلى فدفن هنالك ( 2 ) ، وجاء الحسن بن قحطبة فسار نحو الكوفة ، وقد خرج بها محمد بن خالد بن عبد الله القسري ودعا إلى بني العباس وسود ، وكان خروجه ليلة عاشوراء المحرم من هذه السنة ، وأخرج عاملها من جهة ابن هبيرة ، وهو زياد بن صالح الحارثي ، وتحول محمد بن خالد إلى قصر الامارة فقصده حوثرة في عشرين ألفا من جهة ابن هبيرة ، فلما اقترب من الكوفة أصحاب حوثرة يذهبون إلى محمد بن خالد فيبايعونه لبني العباس ، فلما رأى حوثرة ذلك ارتحل إلى واسط ، ويقال بل دخل الحسن بن قحطبة الكوفة ، وكان قحطبة قد جعل في وصيته أن تكون وزارة الخلافة إلى أبي سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع الكوفي الخلال ، وهو بالكوفة ، فلما قدموا عليه أشار أن يذهب الحسن بن قحطبة في جماعة من الأمراء إلى قتال ابن هبيرة بواسط ، وأن يذهب أخوه حميد إلى المدائن ، وبعث البعوث إلى كل جانب يفتتحونها ، وفتحوا البصرة ، افتتحها مسلم بن قتيبة لابن هبيرة ، فلما قتل ابن هبيرة جاء أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعي فأخذ البصرة لأبي مسلم الخراساني . وفي هذه السنة ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر منها ، أخذت البيعة لأبي العباس
--> ( 1 ) أمده مروان بعشرين ألفا عليهم حوثرة بن سهيل الباهلي ( الطبري ) . ( 2 ) في ابن الأثير 5 / 404 : وجدوه في جدول وحرب بن سالم بن أحوز قتيلين فظنوا أن كل واحد منهما قتل صاحبه . . وفي الاخبار الطوال ص 369 : وفقد قحطبة بن شبيب فلم يدر أين ذهب . وفي ابن الأعثم 8 / 176 : انهار الجرف من تحت قوائم الفرس فسقط به في الفرات فغرق ولم يعلم به أحد من أصحابه .